لم يكن الصمت في المشفى الميداني مجرد غياب للكلمات، بل كان نوعًا من الترقب. كانت هُيام تجوب المكان بين الجرحى والمصابين، تحاول أن تُخفي مشاعرها التي بدأت تتساقط كحبات المطر، لكن قلبها كان يصرخ. كلما مرّ الوقت، كانت نظرات عادل تعود إليها، تلاحقها، كأنها صدى من الماضي الذي رفضت أن تلتفت إليه.
في المساء، حين كانت تجلس في زاوية صغيرة، تحاول أن تجد بعض السلام في الكتاب الذي كانت تحمله معها دائمًا، رنَّ صوت خطواته خلفها. كان عادل قد تعافى بما يكفي ليخرج من غرفته، وتساءلت في نفسها لماذا لم يتوقف عن مراقبتها.
"أريد التحدث إليكِ، هُيام." قال بصوتٍ منخفض، متردد، وكأن الكلمات ثقيلة عليه.
تنهدت بعمق، وأغلقت الكتاب ببطء، ثم نظرت إليه بعينين متعبتين. كانت تعلم أن التهرب منه لن يساعد، وأن الصمت لن يكون وسيلة للإجابة على كل الأسئلة التي بدأت تنشأ بينهما.
"عن ماذا؟" سألته، محاولًة أن تبقى هادئة، رغم أن قلبها كان يخبئ لها مفاجآت لن تحتملها.
"عن الماضي." قال، وكان صوته هادئًا، لكن فيه نغمة من الأسى. "عن الحرب. وعنكِ."
هُيام جمدت في مكانها، كأن الكلمات قد ثقبت صدرها. كيف يمكن أن يطلب منها أن تتحدث عن الماضي؟ عن الخسائر التي لا يمكن أن تُنسى؟
"الماضي لا يُعيد نفسه، عادل." قالت، محاولًة أن تبقي صوتها ثابتًا. "الحرب أخذت منا كل شيء، بما في ذلك أملنا في المستقبل."
عادل صمت لوهلة، ثم اقترب أكثر. "لكن الماضي هو ما صنعنا، أليس كذلك؟ هو ما يجعلنا نواجه هذا الحاضر بطرقٍ مختلفة."
كانت تلك اللحظة هي التي كسرت حائطها الداخلي. لم يكن يتحدث عن المعركة الخارجية فقط، بل عن المعركة التي كانت تخوضها داخل نفسها، بين ما يجب أن يكون وما تشعر به.
"أنا لا أريد أن أعيش في الماضي، عادل." قالت بصوتٍ متعب. "أريد أن أعيش الآن، لكنك تجعل كل شيء أكثر صعوبة."
كانت كلماتها تتساقط كما لو كانت تخشى أن يُسمع صوتها، أو أن تكون مشاعرها مكشوفة أمامه. لكن عادل لم يبتعد، بل اقترب أكثر، وكأن المسافة بينهما ضاقت مع مرور الوقت.
"أنتِ لست وحدك في هذا، هُيام." قال بصوتٍ مليء بالصدق. "أنا أيضًا أعيش بين الحطام، لكننا قد نجد شيئًا معًا… شيء لم تسرقه الحرب منا."
هُيام، التي كانت تعتقد أنها تعرف كيف تسيطر على كل شيء، شعرت فجأة وكأن الأرض تهتز تحت قدميها. كانت تدرك في أعماقها أن عادل قد أسكن في قلبها مكانًا لا يستهلكه الزمن، وأنه لم يكن مجرد جريح في سرير مشفى، بل كان جزءًا من معركة أعمق، معركة بين الأمل واليأس.
"لكننا لا نملك الكثير، عادل." همست، "لا شيء يبقى للأبد، حتى لو حاولنا أن نتمسك."
وعادل، الذي كان يعرف تمامًا معنى الخسارة، قال أخيرًا:
"ربما لا نملك الكثير، لكننا نملك اللحظة. ويمكنك أن تختاري كيف ستعيشينها."
كانت كلمات عادل في تلك اللحظة بمثابة شرارة، كأنها تعيد إشعال شيء ميت داخل هُيام، شيء لم تكن تعرف كيف تعيده للحياة.